الأموال
الأموال

كُتاب الأموال

أوكرانيا.. حرب كان لابد أن تشتعل! (١‏‎)

د.محمد فراج أبو النور
-


الحرب في أوكرانيا دخلت عامها الثانى، ولا تبدو لها نهاية قريبة، بل ‏على العكس يتصاعد التوتر كل يوم بين روسيا والغرب، وتتزايد ‏احتمالات امتداد الحرب إلى ساحات جديدة في شرق أوروبا، ‏وأصبحت احتمالات نشوب حرب نووية عالمية موضوعًا للنقاش ‏اليومى ليس في وسائل الإعلام فحسب، بل وفي الأوساط السياسية ‏وتصريحات زعماء الدول‎!‎
والحقيقة أن المعارك العسكرية في أوكرانيا ليست «حربا روسية - ‏أوكرانية» وإنما هى مجرد عنوان لمواجهة شاملة عسكرية وسياسية ‏واقتصادية وإعلامية وثقافية بين روسيا وحلف الناتو بقيادة الولايات ‏المتحدة وبمشاركة حليفاتها من الدول الغربية الكبرى وفي مقدمتها ‏ألمانيا وبريطانيا وفرنسا، وهى مواجهة تجد أساسها في سياسة توسيع ‏حلف شمال الأطلسى شرقا باتجاه الحدود الروسية بهدف «احتواء» ‏روسيا ـ وهى سياسة أمريكية وأطلسية معلنة منذ انهيار الاتحاد ‏السوفيتى عام ١٩٩١ ــ وضمان استمرار الهيمنة الأمريكية على العالم ‏كقطب أوحد، ومنع نشوء أقطاب جديدة تُهدّد هذه الهيمنة المطلقة‎.‎
وفى إطار هذه السياسة نجحت الولايات المتحدة والدول الغربية ‏الكبرى في ضم دول أوروبا الشرقية والوسطى التى كانت أعضاء فى ‏حلف وارسو بقيادة الاتحاد السوفيتى إلي عضوية حلف الناتو والاتحاد ‏الأوروبى، كما نجحت فى ضم ثلاث جمهوريات سوفيتية سابقة إلى ‏‏«الناتو» والاتحاد الأوروبى، هى جمهوريات البلطيق الصغيرة ‏الثلاث «ليتوانيا ولاتفيا واستونيا» وبقيت «الجائزة الكبرى» للغرب ‏هى أوكرانيا المحاذية مباشرة للحدود الروسية بامتداد ١٥٠٠ كم ‏مجاورة للمنطقة المركزية سكانيا واقتصاديا وعسكريا في روسيا، ‏والتى كان انضمامها لعضوية الناتو يعنى نشوء خطر بالغ الفداحة ‏على الأمن القومى الروسى، علمًا بأن البلدين والشعبين تربطهما ‏علاقات تاريخية قديمة تمتد لحوالى ألف سنة، وأن أوكرانيا بها أقلية ‏روسية كبيرة تبلغ نحو ٢٠٪ من السكان.. وبأن المناطق الشرقية ‏والجنوبية الشرقية من أوكرانيا كانت فى الأصل إقليمًا روسيًا يحمل ‏اسم «نوفايا روسيا» وتم ضمها إلى أوكرانيا بقرار من السلطة ‏السوفيتية، لدعم وجود «الطبقة العاملة» في جمهورية أوكرانيا ‏الاشتراكية السوفيتية، حيث إن الجزء الأساسى من أراضى أوكرانيا ‏كان منطقة زراعية.. كما تم ضم شبه جزيرة القرم إلي أوكرانيا (عام ‏‏١٩٥٤) بقرار إدارى فردى من الزعيم السوفيتى - حينها - نيكيتا ‏خروشوف - وهو قرار لم تصدق عليه أى هيمنة برلمانية سوفيتية أو ‏روسية.. ومعروف أن شبه جزيرة القرم المطلة على البحر الأسود ‏توجد بها القاعدة العسكرية الرئيسية للأسطول الروسى منذ القرن ‏الثامن عشر، وأن البحر الأسود هو منفذ روسيا الوحيد إلى المياه ‏الدافئة‎.‎
كل هذه حقائق تاريخية يعرفها جميع الروس، كما يعرفها أى ‏متخصص فى الشئون الروسية بما فى ذلك المتخصصون في الغرب، ‏ونحن نذكر هذه الحقائق الاستراتيجية والتاريخية والجغرافية ليس من ‏باب التحيُّز لأى طرف، وإنما من باب توضيح مصدر الحساسية ‏الشديدة من جانب روسيا تجاه مسألة ضم أوكرانيا إلى «الناتو»، ‏الحلف الذى يضع هدفًا معلنًا له عزل وإضعاف روسيا، ولا تخفى دوله ‏الكبرى أطماعها فى السيطرة على ثرواتها الطبيعية الهائلة وخاصة ‏من موارد الطاقة‎.‎
الصراع حول أوكرانيا
لهذا كله كان مفهومًا أن تكون أوكرانيا سببًا للتوتر والصراع بين ‏روسيا من ناحية و«الناتو» والاتحاد الأوروبى من ناحية أخرى، منذ ‏بداية القرن الحالى، خاصة أن الدول الغربية استغلت فترة ضعف ‏روسيا في عهد يلتسين لتتغلغل فى أوكرانيا سياسيًا ومخابراتيًا، ‏وصولا إلى إشعال «الثورة البرتقالية» عام ٢٠٠٤، والتى دعا ‏زعماؤها إلى فك الارتباط مع روسيا، والاتجاه غربًا نحو الاتحاد ‏الأوروبى و«الناتو» غير أن خيبة أمل الشعب الأوكرانى في زعماء ‏‏«الثورة البرتقالية» بسبب فضائح الفساد الكبرى والفشل في إدارة ‏الاقتصاد، وتفاقم الفقر والبطالة أدت إلى الإطاحة بهم في الانتخابات ‏‏(٢٠١٠) ليجىء إلى مقعد الرئاسة «فيكتور يانوكوفيتش» الداعى ‏للارتباط بروسيا، ولم يكن هذا بعيدا عن النشاط الروسى الكبير في ‏أوكرانيا فى عهد الصحوة بقيادة بوتين، وعن الدعم الاقتصادى الكبير ‏الذى قدمته روسيا لأوكرانيا‎.‎
رفض الرئيس الأوكرانى التوقيع على اتفاقية للتعاون الزراعى بين ‏بلاده والاتحاد الأوروبى (نوفمبر ٢٠١٣) لأنها كانت تتضمن شروطًا ‏اعتبرها مجحفة ببلاده، مثل رفع كل أشكال الدعم عن السلع الزراعية، ‏في الوقت الذى يقدم فيه الاتحاد الأوروبى دعمًا كبيرًا لمنتجاته ‏الزراعية ومثل فرض شروط على إنتاج السلع الزراعية والغذائية ‏تتصل بالجودة والمواصفات البيئية، وغيرها من الشروط التي كان ‏من شأن تطبيقها إغراق السوق بالمنتجات الزراعية والغذائية ‏الأوروبية، وتدمير الزراعة الأوكرانية‎.‎
وهنا حرَّك الغرب أنصاره ضد يانوكوفيتش، فيما عرف بـ«ثورة ‏الميدان» التى قدمت الدول الغربية دعمًا سياسيًا وإعلاميا هائلا لها، ‏وشاركت فيها شخصيات أمريكية بارزة مثل السيناتور جون ماكين ‏رئيس لجنة الاعتمادات العسكرية بمجلس الشيوخ، وفيكتوريا نولاند، ‏مساعدة وزير الخارجية الأمريكية (مستمرة في منصبها حتى الآن) ‏اللذين كانا يشاركان في المظاهرات ويوزعان الطعام بأيديهما على ‏المتظاهرين وتم توزيع السلاح على أعضاء تنظيمات متطرفة قاموا ‏بمهاجمة المبانى الحكومية والبرلمان- وانتهى الأمر بإجبار الرئيس ‏على الاستقالة ومغادرة البلاد (فبراير ٢٠١٤) وجاء إلى السلطة بهذه ‏الطريقة حكم موالٍ للغرب، كان من أول قراراته إلغاء اتفاقية تأجير ‏قاعدة سيفاشوبول البحرية بـ«القرم» حتى عام ٢٠٤٢ ومطالبتها ‏بإخلاء القاعدة، وإلغاء وضع اللغة الروسية كلغة رسمية ثانية، وإغلاق ‏الصحف ومحطات الإذاعة وقنوات التليفزيون الناطقة بالروسية ‏وإغلاق المدارس الروسية وإلغاء مظاهر الاستقلال الذاتى التى كانت ‏تتمتع بها مقاطعتا «دونيتسك» و«لوجانسك» المجاورتان للحدود ‏الروسية واللتان يمثل الروس أغلب سكانهما‎.‎
تحركت القوات الروسية الموجودة في القرم للسيطرة على شبه ‏الجزيرة، وتم إجراء استفتاء لتقرير المصير بين السكان (٧٥٪ منهم ‏روس) الذين اختارت أغلبيتهم الساحقة الانضمام إلى روسيا (مارس ‏‏٢٠١٤‏‎).‎
ورفض سكان الدونباس (دونيتسك ولوجانسك) قرارات السلطة الجديدة ‏فتحركت فصائل القوميين المتطرفين المسلحين نحو المنطقة وهاجمتها ‏لتشتعل حرب أهلية استمرت ثمانى سنوات (حتى دخول القوات ‏الروسية للمنطقة) وراح ضحيتها (١٣ ألف إنسان‎).‎
وفرضت الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبى عقوبات اقتصادية ‏قاسية ضد روسيا. وبدأت في تسليح الجيش الأوكرانى لدعمه في ‏معركة السيطرة على الدونباس أولا، و«تحرير القرم!» ثانيا، ‏والاستعداد لمواجهة روسيا إذا تحركت قواتها للدفاع عن بنى جلدتها ‏في الدونباس أو للدفاع عن القرم!!.. كما بدأت عمليات تدريب القوات ‏الأوكرانية وإمدادها بالأسلحة الحديثة، وإجراء المناورات المشتركة ‏مع قوات «الناتو» على الأراضى وفى المياه الأوكرانية، وتقدمت ‏كييف بطلب للانضمام «للناتو» بالرغم من معرفة الجميع بأن ميثاق ‏الحلف لا يسمح بانضمام بلاد لديها مشكلات حدودية، حتى لا يتورط ‏الحلف في معارك تحرير هذه الأراضى إذا كانت محتلة أو الاحتفاظ ‏بها إذا كان العضو الجديد هو المحتل، حيث تقضى المادة الخامسة من ‏ميثاق الحلف بأن الاعتداء على أى عضو فيه هو اعتداء على جميع ‏الأعضاء، ويجب الرد عليه.. علمًا بأن الخصم فى هذه الحالة هو ‏روسيا، القوة النووية الثانية في العالم‎.‎
ولم يكن بوسع روسيا أن تقف مكتوفة الأيدى إزاء هذه التطورات ‏الخطيرة، وبدأت تتوالى نذر الحرب، التي اشتعلت فعلا في ٢٤ فبراير ‏‏٢٠٢٢‏‎.‎
وللحديث بقية‎..‎